علي بن محمد البغدادي الماوردي
338
أدب الدنيا والدين
الرزق ما يكفي وخير « 1 » الذكر الخفي » . وقال علي بن أبي طالب كرم اللّه . وجهه : الدنيا كلّ على العاقل . وقال عبد اللّه بن مسعود : المستغني عن الدنيا بالدنيا كمطفئ النار بالتبن . وقال بعض الحكماء : اشتر ماء وجهك بالقناعة وتسل عن الدنيا بتجافيها عن الكرام . فإن كان ممن مني بعلوّ الهمم وتحركت فيه أريحية الكرم وآثر أن يكون رأسا مقدما وأن يرى في النفوس معظما ومفخما فالكفاية لا تقله حتى يكون ماله فاضلا ونائله فائضا فقد قيل لبعض العرب ما المروءة فيكم قال : طعام مأكول ونائل مبذول وبشر مقبول . وقد قال الأحنف بن قيس : فلو مدّ سروي بمال كثير * لجدت وكنت له باذلا فإن المروءة لا تستطاع * إذا لم يكن مالها فاضلا وأما صيانتها عن تحمل المنن والاسترسال في الاستعانة فلأن المنة استرقاق الأحرار تحدث ذلة في الممنون عليه وسطوة في المان والاسترسال في الاستعانة تثقيل ومن ثقل على الناس هان ولا قدر عندهم لمهان . وقال رجل لعمر رضي اللّه عنه : خدمك بنوك فقال : أغناني اللّه عنهم . وقال علي ابن أبي طالب رضي اللّه عنه لابنه الحسن في وصيته له : يا بني إن استطعت أن لا يكون بينك وبين اللّه ذو نعمة فافعل ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك اللّه حرا فإن اليسير من اللّه تعالى أكرم وأعظم من الكثير من غيره وإن كان كل منه كثيرا . وقال زياد لبعض الدهاقين « 2 » : ما المروءة فيكم قال : اجتناب الريب فإنه لا ينبل مريب وإصلاح الرجل ماله فإنه من مروءته وقيامه بحوائجه وحوائج أهله فإنه لا ينبل من احتاج إلى أهله ولا من احتاج أهله إلى غيره . وأنشد ثعلب : من عف خف على الصديق لقاؤه * وأخو الحوائج وجهه مملول وأخوك من وفرت ما في كيسه * فإذا عبثت به فأنت ثقيل وإن كان الناس لحمة لا يستغنون عن التعاون ولا يستقلون عن
--> ( 1 ) خير الذكر : رواه أحمد بن حنبل والبيهقي عن سعد بن مالك وابن أبي وقاص . ( 2 ) الدهاقين : جمع دهقان بكسر الدال وضمها : أمير القرية وهو بمنزلة شيخ القبيلة من العرب .